دير “سيدة الجنة المقفلة” في بلدة أرطاس بمدينة بيت لحم، هو ليس مجرد مبنى حجري أو معلم ديني، بل هو شاهد حي على حضور الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين، وعلى عمق العلاقة بين الإنسان والأرض، بين الروح والخدمة . وبالرغم من طبيعته المنعزلة يحظى الدير بمكانة خاصة لدى الحجاج المسيحيين والزائرين المحليين والدوليين، ويُعد محطة تأمل وسلام روحي، لمجموعات من رجال الدين والراهبات من فلسطين والعالم.
يُطلق على الدير اسم “الجنة المقفلة” نسبة إلى وصف ورد في سفر نشيد الأناشيد: “أختي العروس جنة مغلقة، ينبوع مختوم” (نشيد الأناشيد 4: 12).
وتُعد كلمة “جنة” من الألقاب الرمزية التي تُطلق على السيدة العذراء مريم، كما أنها تَعني في اللغة العربية “البستان”، وهو ما يعكس طبيعة بلدة أرطاس المعروفة بوفرة المياه والخُضرة.
ويُعتقد أن الصليبيين أطلقوا هذا اللقب على المنطقة بأكملها أثناء وجودهم في الأراضي المقدسة، إعجاباً بجمالها الطبيعي الأخاذ.
إن راهبات الجنة المقفلة تعود أصولهم إلى إيطاليا، وانتشر حضورهن لاحقاً إلى أمريكا الجنوبية. في عام 1885، قام المونسينيور ماريانو سولير، رئيس أساقفة مونتيفيديو (الأوروغواي)، بزيارة الأراضي المقدسة، وتحديداً منطقة أرطاس في بيت لحم. أُعجب بالمكان لما يتمتع به من سحر طبيعي فريد، وشبّهه بالجنة. كان المونسينيور متعلق بالسيدة العذراء تعلقاً كبيراً لذلك قامَ بتأسيس هذا الدير تكريماً لها، وقد استغرق البناء حوالي أربع سنوات، ثم سلّمه بعد اكتماله إلى راهبات الجنة المقفلة.
منذ افتتاح الدير في العام 1901، تميز بدور روحي وإنساني عميق، خصوصاً في خدمة المهمشين والفتيات اليتيمات من داخل فلسطين ومن دول عربية متعددة كالأردن، لبنان، وسوريا. ولكن في العام 2006، أي بعد أكثر من قرن من العمل المتواصل لهذا الملجأ ونظراً للظروف التي تمر فيها البلاد والتغيرات وصعوبة التنقل تم أُغلاقه، ليُعاد افتتاحه في العام 2012 كمركز للرياضة الروحية، مقدماً خدماته للراهبات ورجال الدين في التأمل والعبادة ضمن أجواء يسودها السكون والسلام.
لم يقتصر دور الدير على الجانب الرهباني فحسب، بل امتد إلى تقديم خدمات اجتماعية لأهالي بلدة أرطاس والمناطق المجاورة، ومن أبرز هذه المبادرات:
اذا ما نظرنا لموقع الدير والتصميم المعماري المميز نجده يقع في موقع خلاب على سفوح جبل أرطاس، وسط أراضي زراعية تمتاز بجمالها الطبيعي. وقد تولى تصميمه المهندسين الفلسطينين مرقص وشقيقه إبراهيم نصّار.
واجه البناء تحديات كبيرة بسبب طبيعة الأرض الجبلية، مما تطلب تفجير الصخور حتى عمق 13 متراً باستخدام البارود. كما شُيد جدار حجري ضخم من الجهة الشمالية بارتفاع 10 أمتار لتأمين المساحة اللازمة للبناء. بالإضافة لمبنى الدير والكنيسة، يشتمل الموقع على الملجأ القديم للأيتام الذي تحول للرياضة الروحية، ورشة للأطفال، عيادة صحية). وأسفل الدير يوجد ينبوع ماء طبيعي، يُستخدم لري عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية المحيطة.
تحتفل الكنيسة الكاثوليكية في الدير بعيد مريم العذراء “سيدة الجنة المقفلة ” في الأحد الثاني لشهر أيلول من كل عام.