الأخبار

مايك هاكابي يتدخل في عمل وشهادة الكنائس في الأراضي المقدسة بهدف إسكات المسيحيين الفلسطينيين.

مقال للكاتب: رفعت قسيس

أصدر في الأسبوع الماضي،  بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس، بيانًا بالغ الأهمية عبّروا فيه بوضوح عن رفضهم للصهيونية المسيحية. كان البيان لافتًا ليس فقط لوضوحه، بل أيضًا لتوقيت صدوره ولردّ الفعل الذي أثاره لدى السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي،المعروف بتأييده للصهيونية المسيحية. وتُبرز هذه الحادثة خطرًا متزايدًا يهدد عمل وشهادة الكنيسة الفلسطينية، وكذلك الخطوات التي يتخذها أنصار الصهيونية المسيحية لمحو صوتنا السياسي.

وجاء في بيان البطاركة، جزئيًا:

«يؤكّد بطاركة ورؤساء الكنائس في الأرض المقدسة أمام المؤمنين وأمام العالم أنّ رعيّة المسيح في هذه الأرض قد أُوكلت إلى الكنائس الرسولية التي حملت هذه الأمانة المقدسة عبر القرون بثبات وأمانة. إنّ النشاطات الأخيرة التي يقوم بها بعض الأفراد المحليين الذين يروّجون لأيديولوجيات مضرّة، مثل ما يُسمّى بالصهيونية المسيحية، تُضلّل الرأي العام، وتزرع البلبلة، وتُلحق الضرر بوحدة رعيّتنا. وقد لاقت هذه المبادرات استحسان بعض الجهات السياسية في إسرائيل وخارجها، التي تسعى إلى دفع أجندة سياسية قد تُلحق الأذى بالوجود المسيحي في الأرض المقدسة وفي الشرق الأوسط الأوسع».

ماذا يعني هذا؟

إنّ هذا البيان هو ردّ على تطوّرات مقلقة تجري في فلسطين وتهدّد رسالة وشهادة الكنائس المسيحية في الأرض المقدسة ووحدتها وسلطتها التاريخية. ويبدو أنّ ما أثار قلق البطاركة بشكل خاص هو نمط آخذ في التنامي: الترويج لأفراد أو مجموعات محلية «تُنصّب نفسها بنفسها»، وتُستقبل على مستويات سياسية رسمية، وتدّعي تمثيل المسيحيين في إسرائيل أو في الأرض المقدسة، فيما هي تروّج لاهوت الصهيونية المسيحية. لقد حدثت مثل هذه المبادرات في الماضي ومرّت دون ضجيج كبير. لكن في الآونة الأخيرة، باتت هذه اللقاءات تشمل مسؤولين كبارًا، أميركيين وإسرائيليين، بمن فيهم السفير هاكابي، وأصبحت تشكّل تهديدًا مباشرًا لسلطة رؤساء الكنائس التاريخية ولنقاوة الإيمان المسيحي. وهي تقوّض البُنى الكنسية العريقة التي تعود إلى قرون (المعروفة باسم «الوضع القائم – Status Quo») والتي حافظت على وحدة الجماعات المسيحية في فلسطين عبر تاريخ طويل من الإمبراطوريات والاستعمار والاحتلال.

لهذا السبب شعر السفير هاكابي بأنّه مضطر للتعليق علنًا على بيان البطاركة. وقد كتب، من بين ما كتب: «يصعب عليّ أن أفهم لماذا لايكون كلّ من يحمل لقبمسيحيأيضًا صهيونيًا». إنّ الأهمية التي يوليها لهذا البيان تشير إلى حجم الرهانات الكبيرة المرتبطة بقضايا التمثيل والسلطة بالنسبة للمسيحيين في الأرض المقدسة، وإلى مدى الاستعداد السياسي لدى إسرائيل وداعميها لممارسة التدخل من أجل تقويض الأصوات المسيحية المناهضة للصهيونية.

ومن المشروع أن نسأل: لماذا يتدخّل ممثّل للولايات المتحدة أصلًا في شأن داخلي يخصّ كنائس القدس؟ فبيان البطاركة ليس بيانًا سياسيًا. إنّه تأكيد رعوي صادر عن أولئك الذين يمثّلون شرعيًا الجماعات المسيحية في الأرض المقدسة. ولذلك، فإنّ ردّ هاكابي يكشف أكثر عمّا أثاره البيان من حساسيات سياسية، لا عن مضمون البيان نفسه. إنّ ردّة فعله تؤكّد بالضبط القلق الذي عبّر عنه البطاركة: هناك جهات سياسية في إسرائيل وخارجها تبحث عن «أصوات مسيحية بديلة» تكون أكثر انسجامًا مع أجنداتها الأيديولوجية والجيوسياسية.

ولا يمكن فصل تدخّل هاكابي عن السياق السياسي الأوسع. ففي السنوات الأخيرة، شهدنا جهودًا منهجية من قبل إسرائيل وحلفائها، ولاسيما الولايات المتحدة، لنزع الشرعية عن التمثيل الفلسطيني الرسمي. وقد بدأت هذه العملية بإضعاف السلطة الفلسطينية وتجريم مقاومتنا وأحزابنا السياسية، ثم استمرّت بتصنيف منظمات فلسطينية أهلية محترمة على أنها «منظمات إرهابية».

ويبدو الآن أنّ هذا التدخل والقمع يمتدان إلى المجال المسيحي أيضًا. فخلق أو تمكين مجموعات فلسطينية محلية تتبنّى الصهيونية المسيحية يوفّر بديلاً مريحًا وسردية «مفيدة» تسمح للقوى السياسية بتجاوز قادة الكنائس، وإسكات الشهادة المسيحية الفلسطينية النبوية (مثل كايروس فلسطين، وسبييل، وكلية بيت لحم للكتاب المقدس، وغيرها)، وبثّ الشك في شرعية مؤسسات فلسطينية راسخة منذ زمن طويل.

وهذا مقلق بشكل خاص في وقت كان فيه المسيحيون الفلسطينيون، إلى جانب المسلمين، من أكثر الأصوات ثباتًا ووضوحًا أخلاقيًا في مواجهة الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي في غزة وخارجها. لقد كشفت مرافعاتنا ليس فقط السياسات الإسرائيلية، بل أيضًا التواطؤ المباشر للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، فإنّ بروز «صوت مسيحي» مُعتمد سياسيًا يبارك الاحتلال وعنفه ليس أمرًا عرضيًا. إنّه يخدم غرضًا استراتيجيًا واضحًا.

كما أنّ لغة البطاركة في بيانهم ذات دلالة كبيرة. فنقدهم للصهيونية المسيحية وتشديدهم على الوحدة والتمثيل والمسؤولية الرعوية يردّدون صدى الوضوح اللاهوتي الذي عبّرت عنه وثيقة كايروس فلسطين، ولا سيما في وثيقتها الأخيرة «كايروس 2: لحظة الحقيقةالايمان في زمن الإبادة الجماعية». فكايروس 2 تسمّي الصهيونية بوضوح على أنّها أيديولوجيا سياسية متجذّرة في الظلم، وتدعو المسيحيين في العالم كلّه إلى رفض التشوّهات اللاهوتية التي تتسامح مع القمع.

ولسنوات، سعت حركة كايروس إلى تعميق التناغم والتعاون مع قادة الكنائس، أحيانًا من الهامش. وفي هذا البيان، يبدو أنّ رؤساء الكنائسلا يدافعون فقط عن الأهمية التاريخية لمنصبهم، بل يقدّمون أيضًا استجابة عملية وإيجابية لنداء كايروس، مؤكدين ما هو على المحك فيالنهاية: مستقبل الوجود المسيحي في فلسطين. ويشير بيانهم إلى أنّ رعاة الكنائس في القدس باتوا يدركون أكثر فأكثر أنّ الحياد أمام اللاهوت المسيس أمر مستحيل، وأنّ حماية وحدة المسيحيين اليوم تتطلّب تسمية اللاهوتيات الزائفة ومقاومة التلاعب السياسي. فالبطاركة لايحمون سلطتهم المؤسسية فحسب، بل يدافعون عن نزاهة الرسالة والشهادة المسيحية في أرض المسيح.

وبهذا المعنى، فإنّ تدخّل هاكابي يؤكّد مدى أهمية وضرورة رسالة البطاركة. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض أو السياسة، بل أيضًا حول: من يتكلّم باسم الجماعة المسيحية؟ وأيّ لاهوت يشكّل، أو يساعد في تشكيل،  الفهم المسيحي العالمي؟ وهل سيتم تهميش كنائسالأرض المقدسة، وغيرها، لصالح أصوات مرتبطة بالسياسات الإسرائيلية المهيمنة والإبادية؟

إنّ بيان البطاركة ليس دفاعيًا. إنّه بيان نبوي. فهو يرسم خطًا واضحًا بين التمثيل الكنسي الأصيل والبدائل المصنّعة سياسيًا. ويذكّرالكنيسة العالمية والعالم معًا بأنّ الوجود المسيحي في فلسطين لا يمكن أن يبقى حيًّا إذا قُطع عن الحقيقة والعدالة والتجربة المعيشة لشعبه، أولئك الذين اعتنق أجدادهم الإيمان أولًا وحملوه إلى العالم.

وفي هذا الوقت الحرج، نشجَّع جميعًا على دعم قادة كنائسنا، والمساهمة في ضمان الحفاظ على هذا الوضوح وتعزيزه، كما أعلن البطاركة: «في الأرض عينها التي عاش فيها ربّنا وعلّم وتألم وقام من بين الأموات».

Shares: