الأخبار

مقال: الصهيونية المسيحية – أيديولوجيا الغزو

ديفيد نيهوم هاوس اليسوعي

في 17 كانون الثاني 2026، أصدر رؤساء الكنائس في الأرض المقدسة بيانًا ينتقدون فيه أولئك الذين «يروجون لأيديولوجيات مضرّة، مثل الصهيونية المسيحية، ويضلّلون الجمهور، ويزرعون الارتباك، ويُلحقون الضرر بوحدة رعيّتنا».
بعد أيام قليلة، عقّب السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي – وهو من أبرز الصهاينة المسيحيين – على صفحة فيسبوك قائلاً: «المسيحيون هم أتباع المسيح، والصهيوني ببساطة هو من يقبل بأن للشعب اليهودي حقًّا في العيش في موطنه القديم، الأصلي، والكتابي».
هناك مسيحيون يدعمون دولة إسرائيل باعتبارها دولة الشعب اليهودي، لأسباب تبدو لهم دينية. يؤمن هؤلاء الصهاينة المسيحيون بأن أرض فلسطين/إسرائيل تنتمي حصريًا للشعب اليهودي، مستندين إلى نصوص كتابية يعدّ فيها الله الأرض للشعب التوراتي إسرائيل. وهم يعرّفون الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين/إسرائيل بأنهم «غير يهود»، ويجب عليهم الخضوع للحكم والامتيازات اليهودية، وقبول التمييز والاحتلال. ويعتقد الكثير منهم أنّ الصراع من أجل الهيمنة اليهودية على فلسطين/إسرائيل هو جزء من سيناريو «نهاية الأزمنة» الذي سيقود إلى عودة المسيح الظافر. علاوة على ذلك، يعتقد العديد من الصهاينة المسيحيين أنّ اليهود، بعد إعادة تجميعهم في «موطنهم» التوراتي، سيؤمنون بيسوع.
لماذا هذه الأيديولوجيا غير متوافقة مع الإيمان المسيحي؟
يستخدم الصهاينة المسيحيون نصوصًا ولغة دينية صيغت قبل آلاف السنين لتبرير سَلْب الشعب الفلسطيني حياته وحريته وممتلكاته ووطنه على يد الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها في الزمن الحاضر. هذا تحريف خطير! فبالنسبة للمسيحيين، كلمة الله هي بشارة خير لجميع البشر. واستخدام الكتاب المقدس والمفاهيم اللاهوتية لتبرير التمييز والاحتلال والإبادة هو رجسٌ لا يتوافق مع الإيمان المسيحي.
وفي ما يلي عشر نقاط للتأمل:

1. يعلّم العهد القديم أن الأرض لله.
يقول الله لشعب إسرائيل: «الأرض لي، وأنتم عندي نزلاء ودخَراء» (لاويين 25: 23). امتلاك الشعب التوراتي للأرض مشروط بأمانتهم للعهد مع الله. وتبيّن النصوص أنه في حال خالفوا العهد، يفقدون الأرض. وفي السرد التوراتي، لأنهم لم يكونوا أمناء، نُفوا. «لأن الرب غضب على يهوذا وأورشليم، فطردهم من أمام وجهه» (2 ملوك 24: 20).
2. يعيد الله المنفيين إلى الأرض، أمينًا لوعده بالحياة.
يستشهد الصهاينة المسيحيون بنصوص العودة لتبرير الدولة الإسرائيلية الحديثة كتحقيق لهذه الوعود. لكن هذا الاستخدام إشكالي لسببين:
أ. النصوص تشير إلى أحداث القرن السادس قبل الميلاد، حين سمح كورش الفارسي للمنفيين بالعودة وبناء أورشليم.
ب. يستشهدون بهذه النصوص جزئيًا، متجاهلين ما أسماه بندكتس السادس عشر: «التدرّج نحو جعل الأرض مفهومًا شموليًا على أساس لاهوت الرجاء… أرض ملك السلام ليست دولة قومية، بل تمتد من البحر إلى البحر» (زكريا 9: 10) – يسوع الناصري، المجلد 1، ص 84.
3. في الإنجيل يتحدث يسوع قليلاً جدًا عن أرض إسرائيل بحدودها السياسية.
ويعلّم أن الوعد بالأرض لا يتحقق بالغزو. «طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض» (متى 5: 5). وعلّق بندكتس السادس عشر:
«يأتي الغزاة ويذهبون، أما الذين يبقون فهم البسطاء والمتواضعون الذين يفلحون الأرض ويزرعون ويحصدون في وسط الآلام والأفراح. المتواضعون أبقى من العنفاء حتى من منظور تاريخي» (يسوع الناصري، ج1، ص 83).
4. بقيامة يسوع يبدأ نظام جديد لا تفصل فيه الحدود بين الشعوب.
فالقيامة تُعلن من القدس إلى أقاصي الأرض، وتهدم الجدران الفاصلة. شعب الله الآن مؤلَّف من جميع الأمم.
«لأنّه هو سلامنا… جاعلاً الاثنين واحدًا» (أفسس 2: 13-18).
وتظهر أولى ملامح هذا الشعب الجديد في أعمال الرسل: «وتكونون لي شهودًا… إلى أقصى الأرض» (أعمال 1: 8).
5. من منظور مسيحي، كل مكان يبني فيه البشر جماعة أمينة للمسيح هو أرض الوعد.
تظل الأراضي الكتابية مكرّمة لأنها تذكّر بأحداث الخلاص التي بلغت ذروتها في المسيح. يزور المسيحيون فلسطين/إسرائيل ليجددوا جذور إيمانهم ويستمدوا قوة للخدمة وبناء عالم العدل والسلام.
6. يعيش المسيحيون الفلسطينيون، أحفاد أول المسيحيين، في هذه الأرض مع مسلمي فلسطين ويهود إسرائيل.
وهم خميرة تنادي بالعدل والسلام وسط الصراع. أما الصهاينة المسيحيون الداعمون للغزو الإسرائيلي فيهددون كنيسة القدس — أمّ الكنائس — بتأييدهم الامتياز الحصري اليهودي. ومحاولات اقتلاع المسيحيين المحليين من مجتمعهم الفلسطيني تسلبهم دورهم الأصيل.
7. يكرر خطاب الصهيونية المسيحية مقولات إسلاموفوبية تشوّه الإسلام وتشيطن المسلمين.
وهذا صدى لتعليم الاحتقار السابق تجاه اليهود. وعلى المسيحيين تنقية خطابهم من جميع أشكال الاحتقار، والتعاون مع المؤمنين وغير المؤمنين الساعين للعدالة والسلام.
8. كثير من الصهاينة المسيحيين يتحركون بدافع التعاطف مع معاناة اليهود عبر التاريخ.
إلا أن جبر الضرر لا يجوز أن يكون على حساب شعب لم تكن له صلة بتلك المعاناة. فمحاولة تخفيف معاناة اليهود من خلال دعم الصهيونية تجاهلت الفلسطينيين سابقًا، وتشارك في معاناتهم اليوم.
9. يستطيع المسيحيون احترام ارتباط اليهود بالأرض جذريًا في التقاليد الكتابية.
لكن من دون تبنّي تفسير ديني معيّن لهذا الارتباط. فوجود دولة إسرائيل وخياراتها السياسية يجب النظر إليهما وفق مبادئ القانون الدولي، لا من منظور ديني محض (لجنة العلاقات الدينية مع اليهود، 1985). واحترام الارتباط اليهودي لا يتناقض مع حق الفلسطينيين الأصيل في العيش في أرض آبائهم، والتمتع بتقرير المصير.
10. بعض اليهود من السكان الأصليين لفلسطين/إسرائيل، وبعضهم استوطن الأرض عبر القرون بانسجام مع المجتمع المحلي.
لكن الصهيونية السياسية، منذ أواخر القرن التاسع عشر، روّجت لغزو فلسطين/إسرائيل وإقامة نظام يقوم على ادعاء حصري يهودي بالأرض. وقد دمّر هذا الغزو المجتمع الفلسطيني الأصلي ولا يزال يدمّره، ساعيًا إلى استبداله بمجتمع يقوم على الامتيازات اليهودية.
وجميع الأيديولوجيات التي تروّج التفوّق العرقي والتمييز العنصري والسيطرة العسكرية والتوسّع الإقليمي تتناقض جذريًا مع تلمذة يسوع المسيح.

Shares: