تُعد القديسة مريم بواردي، المعروفة في الحياة الرهبانية باسم الأخت مريم ليسوع المصلوب، إحدى أبرز الشخصيات الروحية الفلسطينية التي تركت بصمة خالدة في تاريخ الكنيسة الجامعة. فقد جسدت، رغم قصر حياتها، معاني الإيمان العميق، والمحبة، والتواضع، وخدمة الإنسان، لتصبح نموذجًا يُحتذى به للمؤمنين في مختلف أنحاء العالم.
وُلدت مريم بواردي في 5 كانون الأول 1846 في قرية عبلين بمنطقة الجليل في فلسطين، لعائلة تنتمي إلى كنيسة الروم الكاثوليك. وجاءت ولادتها بعد سنوات طويلة من الألم، إذ فقد والداها اثني عشر طفلًا في سن مبكرة، فتوجها إلى مدينة بيت لحم للصلاة في مغارة الميلاد، متضرعين إلى الله أن يرزقهما طفلًا. فاستُجيبت صلاتهما بولادة مريم، ثم أخيها بولس في العام التالي.
لم تدم طفولتها الهادئة طويلًا، إذ فقدت والدها وهي في الثالثة من عمرها، ثم لحقت به والدتها بعد أيام قليلة، فتفرقت هي وأخوها بين أقاربهما. ومنذ سنواتها الأولى عُرفت بمحبتها للطبيعة وتأملها في جمال الخليقة، وكانت ترى في كل ما حولها انعكاسًا لحضور الله وعظمته.
انتقلت مع أحد أعمامها إلى مدينة الإسكندرية في مصر، وهناك، وهي في الثانية عشرة من عمرها، اتخذت قرارًا بتكريس حياتها لله. وخلال تلك المرحلة تعرضت لمحاولة قتل بعد رفضها التخلي عن إيمانها المسيحي، لكنها نجت بصورة اعتبرتها نعمة إلهية، وكانت تؤكد لاحقًا أن السيدة العذراء مريم رافقتها وحفظتها حتى استعادت عافيتها.
بعد شفائها، كرست حياتها بالكامل للصلاة والخدمة، وتنقلت بين الإسكندرية والقدس وبيروت ومرسيليا، حيث عملت في خدمة عدد من العائلات، واشتهرت بمحبتها للفقراء والبسطاء، وإخلاصها في خدمة الآخرين.
وفي عام 1865 وصلت إلى فرنسا، حيث التحقت بداية بجمعية راهبات مار يوسف الظهور، قبل أن تنتقل إلى رهبنة الكرمل، وهناك اتخذت اسمها الرهباني “الأخت مريم ليسوع المصلوب”. وقد عُرفت بتواضعها العميق حتى إنها كانت تصف نفسها بـ”العدم الصغير”، مؤمنة بأن التواضع هو أقرب الطرق إلى الله، وكانت تردد عبارتها الشهيرة: “حيث توجد المحبة، يوجد الله أيضًا.”
وفي عام 1870 شاركت مع مجموعة من الراهبات في تأسيس أول دير للكرمليات في مدينة منغلور بالهند، إلا أن قلبها ظل متعلقًا بفلسطين، وبمدينة بيت لحم على وجه الخصوص. وفي عام 1875 تحقق حلمها عندما ساهمت في تأسيس دير الكرمل في بيت لحم، وأشرفت بنفسها على أعمال بنائه، كما كانت تتطلع إلى تأسيس دير آخر في الناصرة، إلا أن وفاتها حالت دون تحقيق هذا المشروع.
وأثناء إشرافها على أعمال البناء في بيت لحم، تعرضت لسقوط أدى إلى إصابتها بكسر في ذراعها، ثم تفاقمت حالتها الصحية، إلى أن انتقلت إلى حضن الآب السماوي في 26 آب 1878، عن عمر ناهز اثنين وثلاثين عامًا، تاركة إرثًا روحيًا لا يزال حاضرًا في الكنيسة والعالم.
وفي 13 تشرين الثاني 1983 أعلن البابا القديس يوحنا بولس الثاني طوباوية مريم بواردي، بعد الاعتراف بالمعجزة الأولى المنسوبة إلى شفاعتها، والمتمثلة بشفاء طفلة فلسطينية من مدينة شفاعمرو. وفي 17 أيار 2015 أعلن البابا فرنسيس قداستها، بعد الاعتراف بمعجزة ثانية تمثلت في الشفاء الكامل لطفل إيطالي من مرض قلبي خطير، ليُدرج اسمها رسميًا بين قديسي الكنيسة الجامعة.
وتبقى القديسة مريم بواردي، ابنة فلسطين، شاهدًا حيًا على الغنى الروحي الذي قدمته الأرض المقدسة للعالم. فسيرتها تؤكد أن فلسطين ليست فقط مهد السيد المسيح له المجد، بل هي أيضًا أرض القديسين والشهود الذين حملوا رسالة السلام والمحبة والإيمان إلى مختلف الشعوب.







