في تصعيد خطير يضاف إلى سلسلة الاعتداءات الممنهجة بحق أبناء الشعب الفلسطيني، اقتحم مستوطنون متطرفون مساء الأحد 7 تموز 2025 مقبرة وكنيسة الخضر في بلدة الطيبة التي تقع إلى الشرق من مدينة رام الله، وأضرموا النيران في الأشجار داخل المقبرة، في انتهاك صارخ لحرمة الموت والمقدسات المسيحية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمرت اقتحامات المستوطنين للبلدة خلال عدة ايام سابقة، خاصةً بعد إقامة بؤرة استيطانية جديدة على اراضي بلدة الطيبة، ما يؤكد أن ما يجري هو جزء من سياسة ممنهجة لترويع السكان الأصليين وتفريغ الأرض من أهلها. إن هذه الاعتداءات الأخيرة ليست حوادث فردية، بل امتداد لانتهاكات متواصلة اشتدت وتيرتها منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، حيث تصاعد العنف ضد المقدسات الدينية، في ظل صمت دولي مخجل، وتواطؤ يوفّر للمستوطنين الغطاء الكامل لارتكاب جرائمهم.
منذ نكبة عام 1948، ظلّ الاستيطان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة موضع إدانة دولية، حيث أصدرَ مجلس الأمن الدولي سلسلة من القرارات التي تؤكد عدم شرعيته، كان أبرزها القرار رقم 2334 الصادر عام 2016، والذي جرى تبنيه بأغلبية ساحقة، مؤكداً على مطالبة إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية. ومع ذلك تُواصل دولة الاحتلال تجاهل هذه القرارات، وتُمعن في توسيع مستوطناتها ونهب المزيد من الأراضي الفلسطينية عاماً بعد عام. وقد تصاعدت وتيرة هذا التوسع الاستيطاني بصورة غير مسبوقة بعد اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، التي لم تقتصر تداعياتها على القطاع فحسب، بل امتدت إلى الضفة الغربية، حيث شهدت تصعيداً في سياسات القمع والاعتقال والاقتحام، إلى جانب فرض المزيد من الحواجز والإغلاقات التي عمقت من عزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض. كما أقدمت سلطات الاحتلال على تسليح المستوطنين بشكل واسع، ومنحتهم غطاءً قانونياً يشرعن الاعتداءات تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، مما زاد من حالة الفوضى والعنف المنظّم ضد الشعب الفلسطيني.
ويقطن بلدة الطيبة، التي تمتاز بغالبيتها المسيحية، ما يقارب 1200 نسمة فقط، رغم أن مساحتها تمتد على نحو 24 ألف دونم. وفي لقاء مع رئيس بلدية الطيبة السيد سليمان خورية، أطلعنا على تصاعد الاعتداءات اليومية من قبل المستوطنين المحيطين بالبلدة، حيث وصفها بأعمال عربدة وممارسات وحشية تتكرر بلا رادع. وأكد أن مستوطناً واحداً مسلحاً ومدعوماً بحماية الجيش الإسرائيلي، قادر على ترهيب سكان البلدة والقرى المجاورة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم اليومية.
ويضيف خورية أنه منذ اندلاع الحرب على غزة، مُنع أهالي البلدة من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، في الوقت الذي بات فيه المستوطنون يرعون مواشيهم على نحو 17 ألف دونم من هذه الأراضي المزروعة بالزيتون واللوزيات والقمح، والتي تعود ملكيتها لجميع العائلات في البلدة، مما يشكل اعتداءً مباشراً على مصدر رزقهم اليومي وحقهم في أرضهم.
وفي حديثه عن موسم قطف الزيتون، أشار رئيس البلدية إلى مشهد من الوحشية جرى على مدار عامين متتالين، حين حاول السكان الوصول إلى أراضيهم لقطف الثمار، فتعرضوا لهجوم مباشر من قبل المستوطنين، تخلله إطلاق نار واعتداءات جسدية. أُصيب على إثرها عدد من المواطنين من بينهم المسن خليل بصير، فيما تعرّضت زوجته إليانا لكسر في يدها. على الرغم من غياب أي شكل من أشكال الاشتباك أو المقاومة إلا أن المستوطنون استهدفوا المواطنين بشكل ممنهج، وقاموا بقطع عشرات الأشجار المثمرة، وسرقة المعدات الزراعية وخزانات المياه.
كما تحدث خورية عن تعرض عدد من أفراد أسرته للضرب، وسرقة مركبته التي كانت تحوي أوراقا رسمية ومبلغا نقديا يقدر بنحو 2000 شيكل، مضيفا: “الأصعب من كل ذلك أن ترى أرضك تُنهب أمام عينيك، ولا تستطيع أن تفعل شيئا”.
وليست هذه الاعتداءات بالأمر الجديد على بلدة الطيبة، فقد أكد عضو البلدية السيد خلدون حنا، أنه في عام 1973، تم الاستيلاء على 1000 دونم من أراضي البلدة لصالح إقامة مستوطنة “ريمونيم”. ورغم تقديم العائلات المالكة للأراضي شكاوى للجهات الرسمية على مدار السنوات، إلا أن الاستيطان استمر بقوة الاحتلال وبلطجة مستوطنيه.
كما تتميّز بلدة الطيبة بموقع استراتيجي، كونها تتوسط مدن ومحافظات رام الله، القدس، وأريحا. إلا أن هذا الموقع تحوّل إلى عبء على سكانها وزوارها، إذ يسيطر المستوطنون على الشارع المعروف بـ”شارع المعرجات” الرابط بين محافظتي رام الله وأريحا، ويغلقونه بشكل متكرر دون مبرر، مما يقيّد حركة السكان ويزرع الرعب في نفوسهم. يروي أحد المواطنين من سكان بلدة بيرزيت أنه خطّط مع أصدقائه لزيارة أريحا عبر طريق الطيبة، ويضيف: الهدوء كان مسيطر على المكان ولكنهم تفاجأوا عند شارع المعرجات بمستوطن خرج من بين الأشجار وألقى حجرا كبيرا على السيارة، ما أدى إلى تحطيم زجاجها الأمامي. مما اضطرهم للعودة فورا.
ولا تقتصر التهديدات على عربدة المستوطنين، فقد زادت حدتها بعد أن اقتحمت قوات الاحتلال خلال شهر أيار الماضي عدداً من منازل المواطنين في الطيبة، وكسروا أبواب ثمانية منازل، بعضها مأهول بالسكان وأخرى تعود لعائلات مغتربة، ما أثار الذعر بين النساء والأطفال. هذه الاقتحامات لم تكن نتيجة لحدث أمني، بل جاءت في سياق سياسات ترهيب ممنهجة، وبتواطؤ من الحكومة الإسرائيلية التي تمنح غطاءاً قانونياً لهذه الانتهاكات.
إن ما تشهده بلدة الطيبة اليوم ليس حدثاً معزولاً، بل استمرار لمعاناة ممتدة منذ أكثر من 77 عاما من الاحتلال، لطالما حملت هذه الأرض معاناة، منذ أن سار السيد المسيح في طريق الآلام، وحتى اليوم حيث لا يزال الشعب الفلسطيني يرزح تحت وطأة القهر ذاته، وإن اختلفت الأدوات.







