تُعدّ كنيسة بئر يعقوب من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في فلسطين، إذ تجمع في رمزيتها بين العهدين القديم والجديد. وتقف في مدينة نابلس شاهدةً على تلاقي الرواية المقدسة مع الجغرافيا الحيّة، حيث تتوارث الأجيال قدسية المكان، ليمنح المدينة بُعداً روحياً يفيض بالجمال والإيمان.
تقع الكنيسة شرق مدينة نابلس، على مقربة من تل بلاطة، وتضم في سردابها بئر يعقوب الذي يبلغ عمقه نحو 41 متراً. ويمكن الوصول إليه عبر درجٍ يؤدي إلى البئر، حيث ما تزال تُستخدم وسائل تقليدية كالدلو، وتُزيّن جدرانه الأيقونات والفسيفساء.
تعود تسمية الكنيسة إلى البئر نفسه، المنسوب إلى النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أحد الآباء البطاركة في التقليد الكتابي. وتشير الروايات إلى أن يعقوب استقر في هذه المنطقة بعد شرائه أرضاً قرب مدينة شكيم (نابلس حالياً)، وفيما تختلف الروايات حول حفر البئر، فإنها تجمع على ارتباطه المباشر بهذا الموقع.
ويكتسب المكان أهمية خاصة في التقليد المسيحي، إذ ورد في العهد الجديد (إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع)، حيث التقى السيد المسيح بالمرأة السامرية عند البئر أثناء مروره في السامرة. وفي هذا اللقاء، قدّم المسيح رسالة روحية عميقة حول “الماء الحي”، قائلاً:
“من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً، وأما من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد”.
وقد شكّل هذا الحدث محطة مفصلية في إعلان رسالته، حيث بادرت المرأة إلى دعوة أهل مدينتها للإيمان به.
وبحسب التقليد الكنسي، تُعرض في الكنيسة جرة يُعتقد أنها تعود للمرأة السامرية، إلى جانب ذخائر تُنسب إليها، محفوظة في صناديق زجاجية داخل الكنيسة.
نظراً لقدسية الموقع، أمرت القديسة هيلانة ببناء كنيسة بيزنطية فوق البئر في القرن الرابع الميلادي. إلا أن الكنيسة تعرّضت عبر العصور لسلسلة من الهدم والتدمير، بدءاً من الثورة السامرية، مروراً بالعهدين الفارسي والفاطمي، وصولاً إلى فترات لاحقة.
وفي العصر الحديث، شهدت الكنيسة حدثاً أليماً باستشهاد الأرشمندريت فيلومينوس عام 1979 على يد مستوطن متطرف أثناء خدمته في الموقع. وقد أُعلن قديساً عام 2009، ولا تزال رفاته محفوظة داخل الكنيسة.
استُكملت أعمال ترميم الكنيسة وتدشينها في العصر الحديث، وأصبحت اليوم مقصداً للحجاج والمؤمنين من مختلف أنحاء العالم، رغم ما تتعرض له بين الحين والآخر من اعتداءات.
ويضم الدير كنائس متعددة، منها كنيسة القديسة فوتيني السامرية، وكنيسة القديس فيلومينوس، إضافة إلى كنيسة القديس يوستينوس الفيلسوف النابلسي.
وتُحيي الكنيسة الأرثوذكسية سنوياً ذكراها بقداس احتفالي يُقام في الأحد الخامس بعد عيد القيامة







