أصحاب الغبطة والنيافة،
في ظل الدمار الواسع الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، وما طال منازل المواطنين ومؤسساتهم ومرافقهم الحيوية، تتفاقم معاناة أبناء شعبنا مع دخول فصل الشتاء واشتداد المنخفضات الجوية، لتضاعف الأمطار من آثار الكارثة الإنسانية على النازحين والعائلات التي فقدت مساكنها ومقومات الحياة الأساسية. وانطلاقاً من مسؤوليتنا الإنسانية والأخلاقية والروحية المشتركة، نتوجه إليكم بهذا النداء العاجل، داعين كنائس العالم إلى مساندة أهلنا في قطاع غزة والتحرك للتخفيف من معاناتهم.
يواجه مئات آلاف النازحين أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة، في ظل غياب المأوى الآمن ونقص الاحتياجات الأساسية. إذ يوجد نحو 950 ألف نازح في مناطق معرضة لمخاطر الفيضانات، من بينهم أكثر من 400 ألف يواجهون مخاطر مرتفعة، فيما تؤوي نحو 270 ألف خيمة عائلات نازحة، تعرضت أعداد كبيرة منها لأضرار جراء الأمطار والظروف الجوية القاسية. وتضع هذه الظروف حياة الأطفال والرضّع وكبار السن والمرضى أمام مخاطر جسيمة، ما يجعل توفير الغذاء والدواء والمأوى ومياه الشرب والاحتياجات الأساسية ضرورة إنسانية عاجلة تكفل للناس العيش بكرامة.
ولم تسلم الكنائس ودور العبادة من آثار هذا العدوان الذي طال مختلف مناحي الحياة في القطاع، فلم يستثنِ حجراً ولا بشراً، ولم يحترم حرمة مكان أو قدسيته. ومع اشتداد الأمطار، تسربت المياه إلى كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس في مدينة غزة، في مشهد يعكس حجم الأضرار التي طالت حتى الأماكن المخصصة للصلاة والعبادة، والتي تحمل إرثاً دينياً وتاريخياً عريقاً.
إن ما تتعرض له الكنائس في غزة لا يمكن فصله عن الاستهداف الأوسع الذي طال الإنسان والمكان والذاكرة والتاريخ الفلسطيني. فالاحتلال الذي دمّر المنازل وشرّد العائلات واستهدف مقومات الحياة، لم يترك دور العبادة بمنأى عن آثار عدوانه، الأمر الذي يستدعي تحركاً عاجلاً لحماية الكنائس وصون إرثها التاريخي والروحي ومعالجة الأضرار التي لحقت بها.
ونؤكد أن الكنائس والمجتمعات المسيحية في غزة ليست بمعزل عن معاناة شعبها الفلسطيني، بل تتشارك مع أبنائه ظروف الحرب والنزوح وفقدان المأوى والأمان. فحماية الوجود المسيحي في الأرض المقدسة لا تنفصل عن حماية الإنسان الفلسطيني وحقه في الحياة والحرية والكرامة، وصون النسيج الوطني والتاريخي الذي تشكل الكنائس والمجتمعات المسيحية جزءاً أصيلاً ومتجذراً منه.
وانطلاقاً من مسؤولياتكم الكنسية والإنسانية، ندعو كنائس العالم إلى تحرك عاجل وفاعل من خلال:
* حشد الدعم الإنساني والإغاثي لأهالي قطاع غزة، وتأمين الغذاء ومياه الشرب والأدوية والمستلزمات الطبية والخيام والأغطية والفرش والملابس الشتوية ووسائل التدفئة الآمنة، وسائر الاحتياجات الأساسية التي تكفل العيش بكرامة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والرضّع وكبار السن والمرضى.
* التحرك لحماية الكنائس ودور العبادة والمواقع الدينية والتاريخية، وتوفير الدعم اللازم لمعالجة الأضرار التي لحقت بها، وفي مقدمتها كنيسة القديس برفيريوس.
* تعزيز التواصل والتنسيق مع المؤسسات الكنسية والإنسانية العاملة في فلسطين لضمان وصول المساعدات إلى العائلات الأكثر تضرراً واحتياجاً.
* توظيف الصوت الكنسي ومكانة الكنائس الأخلاقية والروحية بالطلب من حكوماتها والمؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لضمان إدخال المساعدات الإنسانية والطبية والوقود والمواد الأساسية إلى قطاع غزة دون عوائق أو تأخير.
* اتخاذ مواقف واضحة وفاعلة للدفاع عن المدنيين، والمطالبة بوقف الاعتداءات واحترام القانون الدولي الإنساني وحماية دور العبادة والمقدسات والمؤسسات الدينية.
إننا لا نخاطبكم اليوم من موقع التضامن وحده، بل من موقع المسؤولية المشتركة تجاه أرواح بشرية تواجه الموت والبرد والجوع والمرض، وتجاه كنائس ومقدسات تحمل إرثاً مسيحياً وتاريخياً ممتداً في أرض ميلاد السيد المسيح له المجد وقيامته.
فالصلاة من أجل غزة يجب أن تقترن بالعمل من أجل أهلها، والتضامن معهم يجب أن يتحول إلى خطوات عملية تنقذ حياتهم وتصون كرامتهم وتحمي مقدساتهم. فلا يجوز أن يُترك الأطفال والعائلات والمرضى لمواجهة شتاء قاسٍ بلا مأوى أو غذاء أو دواء أو حماية، ولا أن تُترك الكنائس عرضة للأضرار والدمار دون تحرك ومساندة.
إننا ندعو كنائس العالم إلى التحرك الآن، وأن يكون صوتها وموقفها وعملها على مستوى حجم المأساة. فغزة لا تحتمل مزيداً من الانتظار، وأهلها يستحقون الحياة والأمان والكرامة، ومسؤوليتنا المشتركة تقتضي أن تتحول مواقف التضامن والصلاة إلى دعم إنساني ملموس وعمل كنسي فاعل.










