مسيحيون تحت الإحتلال

دير راهبات الوردية في ماميلا بالقدس.. إرث روحي وتاريخي وشاهد على الجذور الفلسطينية للرهبانية (ٍسيدة الوردية)

يُعد دير راهبات الوردية المقدسة في منطقة ماميلا بمدينة القدس، أحد المعالم الدينية والتاريخية المرتبطة بنشأة رهبانية الوردية الأورشليمية، التي انطلقت رسالتها من قلب المدينة المقدسة قبل نحو قرن ونصف من الزمن، لتصبح إحدى الرهبانيات ذات الجذور الفلسطينية المقدسية، التي امتد حضورها إلى مختلف بلدان الشرق الأوسط وصولًا إلى روما.

يشكّل الدير بما يضمه من كنيسة وضريح للقديسة ماري ألفونسين، جزءًا من الذاكرة الروحية والتاريخية لمدينة القدس، وشاهدًا على مسيرة الرهبانية التي جمعت منذ تأسيسها بين الحياة الروحية والخدمة التربوية والاجتماعية، ولا سيما تعليم الفتيات والنساء، وتنشئة الأجيال على الإيمان والأخلاق المسيحية والقيم الإنجيلية.

وبحسب ما دونته القديسة في (مخطوطتين بخط يدها، تتضمنان تفاصيل الظهورات المريمية وبدايات تأسيس رهبانية الوردية)، حين بدأت السيدة مريم العذراء أولى الظهورات للقديسة في 6 كانون الثاني عام 1874، وتلت ذلك ظهورات روحية حملت إليها دعوة لتأسيس رهبانية جديدة في الأرض المقدسة. وفي إحدى هذه الظهورات، قالت لها العذراء مريم: “هنا في هذه الأرض، حيث فرحت وحزنت وتمجّدت مع ابني، أريد أن تؤسسي رهبانية الوردية”.

لم تكن الطريق سهلة أمام ماري ألفونسين، فقد شعرت بالخوف والحيرة، وتسألت كيف تستطيع تحقيق هذه الدعوة؟؟ لكنها استمدت القوة من إيمانها، ولجأت إلى الأب يوسف طنوس، أحد كهنة البطريركية اللاتينية في القدس، وهو مرشدها الروحي، الذي أسهم بشكل أساسي في تحويل الدعوة إلى واقع ملموس. فبعد أن كشفت له ما اختبرته من ظهورات وإشارات، طلبت منه المشورة والمساعدة، فرافقها روحيًا، وساهم في توفير المكان المناسب لإقامة الراهبات الأوائل، واستمر في إرشاد الرهبانية ودعمها خلال سنواتها الأولى. وفي عام 1880، تأسست أول جماعة رسمية لراهبات الوردية، بمشاركة عشر فتيات مقدسيات، واتخذت من البيت الذي استأجره الأب طنوس في البلدة القديمة بالقدس.

كما ارتبط تاريخ الرهبانية بموقع دير راهبات الوردية في منطقة ماميلا في مدينة القدس، ونسبةً لحي ماميلا اتخذت الكنيسة اسمها الشعبي كنيسة ماميلا، كما أن لها اسماً شعبياً متداول وهي سيدة الوردية. إلى جانب الكنيسة يضم الدير أيضاً ضريح القديسة ألفونسين. كما يوجد في المنطقة دير راهبات القديس فنسنت دي بول، يضم الدير اليوم بيتًا للضيافة الذي افتُتح عام 2020، ويحتوي على ثلاث عشرة غرفة موزعة على طابقين، بعد تجديد جزء من مبنى الدير. ويعكس هذا المرفق استمرار حضور الدير واستعداده لاستقبال الزوار والمهتمين بتاريخ الرهبانية ورسالتها الروحية.

بحسب المعلومات المتداولة عن تاريخ الكنيسة، بدأت أعمال بنائها عام 1898، واكتمل البناء عام 1937. ويرتبط بناء الكنيسة بالرؤية التي نُسبت للقديسة، إذ في أحد ظهورات السيدة العذراء بينت لها الرؤية رسم كنيسة ذات سقف مستدير يحاكي شكل المسبحة الوردية، تتخلله خمس عشرة نافذة ترمز إلى (أسرار الوردية) كما كانت معروفة آنذاك. وعلى النافذة العاشرة رأت اسمها «مريم الصليب»، في إشارة إلى الصليب الذي ارتبط برسالتها الروحية، وإلى مشاركتها المسيح في آلامه.

بعد مرور مئة وستة واربعون عام على تأسيسها، تواصل رهبانية الوردية المقدسة رسالتها في خدمة الكنيسة والمجتمع. وقد أسهم انتماء راهبات الوردية إلى مجتمعات المنطقة ولغتهم العربية وثقافتهم في تقريب الكنيسة من الناس، وجعل الرهبانية جزءًا من الحياة اليومية للمجتمعات التي خدمت فيها. فقد عملت الراهبات في المدارس والرعايا، ووصلن إلى القرى والمناطق النائية، حيث ساهمن في نشر المعرفة، وتعزيز التربية المسيحية، ومرافقة العائلات في حياتها الروحية والاجتماعية. ولهم بصماطهم في كل مكان بفلسطين حيث تنتشر مؤسسات الرهبنية في عدد من المدن والبلدات من أبرزها (القدس، بيت لحم، بيت جالا، بيت ساحور، رام الله، بيرزيت، جفنا، الطيبة، عابود، الزبابدة، رفيديا في نابلس، إضافة إلى غزة). تحتفل رهبانية الوردية بذكرى تأسيسها في السابع من تشرين أول في كل عام.

إن وجود رهبانية الوردية في فلسطين والأردن وسائر بلدان الشرق الأوسط هو شهادة حية على ارتباط الكنيسة بأبنائها وبالأرض التي انطلقت منها رسالة المسيح إلى العالم. ومن خلال الصلاة والعمل والتربية والخدمة، تواصل الراهبات حمل هذه الرسالة، وتشجيع المسيحيين على التمسك بإيمانهم، وتعزيز انتمائهم إلى كنيستهم الأم، والتجذّر في أرضهم والمحافظة على هويتهم الروحية والثقافية.

Shares: